اجتماعي ـ موقع الدكتور مولود زايد الطبيب

الثلاثاء, 04 24th

آخر تعديل في الموقع الإثنين, 19 شباط 2018 1pm

محمد عابد الجابري: العولمة ومسألة الهوية بين البحث العلمي والخطاب الإيديولوجي - إستكمل الموضوع

1 1 1 1 1 1 1 1 1 1 Rating 0.00 (0 Votes)

ثم إن التقابل أو التعارض بين "الأصالة والمعاصرة" ليس من جنس التقابل والتعارض بين "العولمة والهوية". ذلك أن "المعاصرة" لا تهدد الهوية إلى درجة إلغائها ونفيها، بل بالعكس تعمل على إغنائها وتجديدها. والأصالة، بعد، ليست جزءا من الهوية، بل هي وصف يمكن أن توصف به. أما "العولمة" فبما أنها تعميم وقولبة فهي تهدد الهوية كما تهدد الأصالة، أو على الأقل نوعا من الهوية ونوعا من الأصالة.
قد يعترض معترض ويقول: وما شأن "العولمة"، ومجالها التجارة ، وشأن الهوية والأصالة وهما أمور معنوية؟ والجواب: التجارة هي النشاط الحيوي للرأسمال، والرأسمال يقال فيه اليوم أكثر من أي وقت مضى إنه "لا وطن له". فالعولمة إذن نفي للوطن وإلغاء له. والوطن هو مجال الهوية والأصالة.
يمكن لداعية العولمة أن يوافق على ذلك ويختاره: يمكن أن يقول: لقد انتهى عصر القوميات والهويات ونحن الآن في عصر الفضائيات وشبكة المعلومات!
مثل هذه العبارة تتكرر هنا وهناك. وهي عبارة تحمل صدقا وكذبا في آن واحد, ويراد بالصدق فيها أن يغطي على الكذب! هي صادقة في القول: "نحن الآن في عصر الفضائيات وشبكة المعلومات"، فهذا واقع. ولكنها غير صادقة في القول: "انتهى عصر القوميات والهويات"، لأن هذا حكم ذهني لا يستند إلى الواقع. والحكم الصحيح والعلمي في مثل هذه الدعاوى هو الواقع لا غيره. والواقع هو ما نشاهده. وما نشاهده هو انبعاث الروح القومية والانكفاء في إطار هويات ضيقة، في بلدان "الشمال" كما في بلدان "الجنوب".
سنقتصر هنا على ذكر شهادات تخص بلدان "الشمال"، حتى لا نربط التقابل بين البلدان التي تعتبر بصورة أو بأخرى "فاعلة" العولمة والبلدان "المنفعلة" بها وبين التقابل بين العولمة والهوية.
لا تتردد الولايات المتحدة الأمريكية داعية العولمة، والمبشرة بها كنظام عالمي جديد لابد من الأخذ به، أقول: لا تتردد في التهديد باتخاذ عقوبات اقتصادية انتقامية ضد الدول التي تمارس التجارة حسب مقتضيات العولمة نفسها، عندما ترى في تلك الممارسة ما يمس بما تسميه ب- "المصالح القومية" للولايات المتحدة. وقد شهدت الشهور الأخيرة نزاعا حادا بين الولايات المتحدة الأمريكية وكل من اليابان والمجموعة الأوربية بسبب ممارسة التجارة بموجب الاتفاقيات الدولية التي شرعت للعولمة بإشراف الولايات المتحدة وزعامتها. وإذا كان الأمر قد وقف عند حد اتخاذ الإجراءات الحمائية أو التهديد بها فلأنه يتعلق بالأقوياء السبعة الكبار الذي يشكلون قوام ما يسمى ب-"المجتمع الدولي" الذي هو، في الحقيقة والواقع، "مجتمع" الفاعلين للعولمة المستفيد منها. أما عندما يتعلق الأمر بغير هؤلاء فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتردد في استعمال الأسلحة المتطورة من صورايخ ومقنبلات وغيرها ل-"ردع" الضعفاء الطموحين إلى شيء من "الكبر"، أو الذين قد يمارسون حقهم في حماية ثرواتهم القومية.
ليس صحيحا إذن أن العولمة تقوم على كون "الرأسمال لا وطن له". ذلك أن الرأسمال له في جميع الأحوال "وطن". قد لا يكون وطنا من أرض وجبال وحدود، ولكنه في جميع الأحوال محدود بحدود "المصالح القومية" حتى ولو كان الأمر يتعلق ب-"الشركات متعددة الجنسية". ذلك لأن هذه الشركات إذا كانت تنتشر في العالم على صعيد التسويق والإنتاج فهي تحتفظ ب-"الوطن" الأصل كمركز للقرار، وبالتالي كمرجعية قومية. ومن هنا يمكن القول ليست هناك مصالح جماعية خارج المصالح القومية، تعددت جنسية الشركات أم لم تتعدد. والمصالح القومية للدول الكبرى تتسع اليوم، بفضل سرعة الاتصال وسهولته، لتعم كوكبنا الأرضي من أقصاه إلى أقصاه. قد لا تكون "المصالح القومية" اليوم قومية بالمعنى القديم للكلمة، ولكنها في جميع الأحوال مصالح فئات معينة تستعمل الاقتصاد ووسائل الإعلام للضغط على أصحاب القرار، بعد أن تكون قد لعبت دورا رئيسا في حملهم، حين الحملات الانتخابية، إلى مراكز القرار، أعني المراكز التي تصنع القرار وتنفذه باسم "الأمة" و"المصالح القومية".
لنترك الولايات المتحدة ولننتقل إلى بريطانيا. هنا سنجد أنفسنا إزاء موقف من العولمة تحكمه المصالح القومية إلى درجة التناقض. فمن جهة يرفض معظم البريطانيين التنازل عن عملتهم الوطنية والانضمام إلى منطقة اليورو. وقد استمعت مؤخرا لريبورتاج أذاعته البيبيسي استجوبت فيه عددا من الأفراد البريطانيين نساء ورجالا حول احتمال انضمام بريطانيا لمنطقة اليورو، فكانت جميع الأجوبة ضد هذا الانضمام. والحجة المتكررة هي أن العملة رمز وطني وأن الوحدة الأوربية يجب أن لا تطال الرموز الوطنية لبريطانيا. وفي استطلاع للرأي العام أجري هناك في الآونة الأخيرة عبر أزيد من خمسين في المائة عن معارضتهم للتخلي عن العملة البريطانية والانضمام إلى اليورو.
هذا من جهة, ومن جهة أخرى يمكن للمرء أن يلاحظ تحالف الإنجليز مع أوربا ضد أمريكا عندما تتخذ هذه الأخيرة إجراءات حمائية في الميدان التجاري، أو عندما تتناقض السياسة الأمريكية مع المصالح "القومية" البريطانية التي تشمل –عند الحاجة- مصالح الكومونويلث, مع أن الإنجليز هم مع الأمريكان في السياسة الخارجية. وعلى العموم يمكن القول إن ما يطبع العلاقات بين أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال هو التحالف ضد الآخرين في إطار التناقض بين المصالح القومية لكل منهما.
للحديث صلة
د - أوضحنا في الصفحات الماضية المعنى الذي نعطيه للأدوات التي نتحدث بها عن "العولمة" و"مسألة الهوية"، في العنوان الذي وضعناه لهذا القول، وسنقول الآن ما يلقي بعض الأضواء على هذين العنصرين، أعني العولمة والهوية. غني عن البيان القول إن موضوعنا –بل صلب موضوعنا- هو العلاقة بينهما، ولكن قد ينبغي قبل الخوض في هذه العلاقة القيام بنوع من التحديد المجمل لكل منهما، خصوصا، وقد قررنا أن نركز هذا القول على تحديد المفاهيم.
سبق أن نشرنا منذ أزيد من سنتين سلسلة مقالات بعنوان "العولمة نظام وأيديولوجيا" جمعت مع مقالات أخرى في كتاب صدر بعنوان "قضايا في الفكر المعاصر" (مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. 1977). لقد عرضنا في تلك المقالات عدة أطروحات عبرنا فيها عن وجهة نظرنا في هذه الظاهرة الجديدة: العولمة. وقد برهنت تجربة السنتين الماضيتين عن صحة وجهة النظر تلك، ونحن متمسكون بها ولا نرى ما يدعو إلى تعديلها. لقد بدأ الحديث اليوم في المنتديات العالمية الرسمية وشبه الرسمية عن ضرورة "ترشيد" العولمة لتصبح "عالمية مسئولة"، وليس "عولمة" مفروضة، لتغدو نشاطا تجاريا عالميا خاضعا لبعض القيود ويحترم مصالح الدول والخصوصيات الإقليمية والمحلية، الشيء الذي يعني نزع طابع الهيمنة الإمبريالية والليبرالية المتوحشة عن العولمة كما عرفتها السنون الأخيرة.
هذا الجانب لا يهمنا هنا. فالعولمة كنشاط اقتصادي "خالص" ليست من الظواهر التي تصطدم بمسألة الهوية. هذا من حيث المبدأ. ولكن هل هناك في عصرنا نشاط اقتصادي "خالص"؟ ثم أين تبتدئ "مسألة الهوية" وأين تنتهي؟
هذان السؤالان هما من بين الأسئلة التي تجعل من العلاقة بين "العولمة" و"مسألة الهوية" علاقة إشكالية بالمعنى الذي حددناه في الحلقة السابقة. ذلك أنه ما دمنا لا نستطيع أن نحدد بدقة حدود ظاهرة العولمة، حدودها الاقتصادية والثقافية والإعلامية الخ، ولا أن نرسم ل-"مسألة الهوية" إطارا محددا لا تتعداه، فإنه سيكون من الصعب وضع منحن أو منحنيات للعلاقة التي يمكن أن تقوم بينهما. كل شيء ممكن في مثل هذه الحالة. ومن هنا تلك الشحنة من التوتر التي قلنا إنها ترافق "الإشكالية" دوما. بعبارة أخرى: نحن لا نستطيع الوصول إلى نتيجة نحس معها فعلا بالاستقرار الفكري، وإن حصل شيء من هذا فبسبب غفلة، سرعان ما تنقشع عن توتر أكبر.
لقد عرف الفكر العربي الحديث إشكالية مماثلة لم يهتد بعد إلى حل بشأنها يمنحه ما هو في حاجة إليه من الاستقرار الفكري. هذه الإشكالية هي ما كان وما يزال يدعى ب-"إشكالية الأصالة والمعاصرة". ولقائل أن يقول: أليست إشكالية "العولمة ومسألة الهوية" سوى مظهر من مظاهرها، مظهرها الجديد الذي فرضه التطور علينا؟
والجواب: هناك فعلا تشابه بين الإشكاليتين، ولكن في الظاهر فقط، أما المضمون فمختلف. والألفاظ نفسها، أعني صيغتها الصرفية، تشي بهذا الاختلاف: ف-"المعاصرة" مفاعلة، وهي صيغة تدل على المشاركة. ف-"المعاصرة" صيغة تفيد أننا نحن الذين نطلب المعاصرة ونقوم بها لأنفسنا، أي نسعى إلى أن نرتفع إلى مستوى عصرنا في مجال الفكر والعلم والصناعة، وبالتالي الأخذ بأكبر قدر من التقدم والرقي. أما العولمة فصيغتها الصرفية فوعلة تفيد جعل الشيء على هيأة معينة: فقولبة الشيء معناها جعله في قالب. كما أن عولمته تعني جعله عالميا. وهذه الفروق اللغوية ليست خاصة باللغة العربية بل نلحظها في كثير من اللغات الأجنبية. ف-" العولمة" ترجمة لكلمة globalisation التي تفيد في معناها اللغوي التعميم: تعميم الشي وجعله شاملا. وإذا لاحظنا أن كلمة globe تعني الكرة، وتستعمل علما لتدل بالتحديد على الكرة الأرضية، استطعنا أن نربط العولمة بهدفها الاستراتيجي: أعني تعميم نمط من الحياة على الكرة الأرضية كلها. ومن هنا الاسم المرادف ل- "العولمة" في الخطاب العولمي المعاصر، أعني لفظ planétarisation وهو ما يترجمه بعضهم ب-"الكوكبية". والمقصود جعل كوكب الأرض كله مسرحا لنمط معين من التعامل المالي والتجاري، وبالتالي الحضاري، هو النمط الأمريكي.
هذا من جهة ومن جهة أخرى لابد من ملاحظة أنه لسنا نحن الذين نقوم بالعولمة والتعميم، بل العولمة عملية تتم خارج إرادتنا، على العكس تماما مما تدل عليه "المعاصرة" التي نفترض فيها أننا نحن الذين نقوم بها بإرادتنا أو على الأقل ندعو إليها. وقد نلمس هذا الفرق بوضوح أكبر لو أننا انتبهنا إلى الطريقة التي نعبر بها عن الموقف الإيجابي منهما، موقف القبول. ذلك أننا نقول: نحن ننشد المعاصرة ولا نقول "ننشد العولمة"، بل نقول: "ننخرط" في العولمة أو "نستعد في الدخول" في عصر العولمة.
د - بعبارة قصيرة، في "المعاصرة" نتعامل مع أنفسنا كذات، أما في "العولمة" فنشعر أننا موضوع لها. قد يكون هذا مجرد فرق سيكولوجي. ليكن. فالموقف السيكولوجي هنا من الأهمية بمكان: إن الأمر يتعلق ب-"الهوية"، والهوية مسألة وعي، فهي من ميدان السيكولوجيا. ولذلك سيكون رد الفعل من قبيل الاستفهام الاستنكاري التالي: وهل من يتعامل مع الظاهرة نفسها كذات فاعلة كمن يتعامل معها كموضوع منفعل؟
ثم إن التقابل أو التعارض بين "الأصالة والمعاصرة" ليس من جنس التقابل والتعارض بين "العولمة والهوية". ذلك أن "المعاصرة" لا تهدد الهوية إلى درجة إلغائها ونفيها، بل بالعكس تعمل على إغنائها وتجديدها. والأصالة، بعد، ليست جزءا من الهوية، بل هي وصف يمكن أن توصف به. أما "العولمة" فبما أنها تعميم وقولبة فهي تهدد الهوية كما تهدد الأصالة، أو على الأقل نوعا من الهوية ونوعا من الأصالة.
قد يعترض معترض ويقول: وما شأن "العولمة"، ومجالها التجارة ، وشأن الهوية والأصالة وهما أمور معنوية؟ والجواب: التجارة هي النشاط الحيوي للرأسمال، والرأسمال يقال فيه اليوم أكثر من أي وقت مضى إنه "لا وطن له". فالعولمة إذن نفي للوطن وإلغاء له. والوطن هو مجال الهوية والأصالة.
يمكن لداعية العولمة أن يوافق على ذلك ويختاره: يمكن أن يقول: لقد انتهى عصر القوميات والهويات ونحن الآن في عصر الفضائيات وشبكة المعلومات!
مثل هذه العبارة تتكرر هنا وهناك. وهي عبارة تحمل صدقا وكذبا في آن واحد, ويراد بالصدق فيها أن يغطي على الكذب! هي صادقة في القول: "نحن الآن في عصر الفضائيات وشبكة المعلومات"، فهذا واقع. ولكنها غير صادقة في القول: "انتهى عصر القوميات والهويات"، لأن هذا حكم ذهني لا يستند إلى الواقع. والحكم الصحيح والعلمي في مثل هذه الدعاوى هو الواقع لا غيره. والواقع هو ما نشاهده. وما نشاهده هو انبعاث الروح القومية والانكفاء في إطار هويات ضيقة، في بلدان "الشمال" كما في بلدان "الجنوب".
سنقتصر هنا على ذكر شهادات تخص بلدان "الشمال"، حتى لا نربط التقابل بين البلدان التي تعتبر بصورة أو بأخرى "فاعلة" العولمة والبلدان "المنفعلة" بها وبين التقابل بين العولمة والهوية.
لا تتردد الولايات المتحدة الأمريكية داعية العولمة، والمبشرة بها كنظام عالمي جديد لابد من الأخذ به، أقول: لا تتردد في التهديد باتخاذ عقوبات اقتصادية انتقامية ضد الدول التي تمارس التجارة حسب مقتضيات العولمة نفسها، عندما ترى في تلك الممارسة ما يمس بما تسميه ب- "المصالح القومية" للولايات المتحدة. وقد شهدت الشهور الأخيرة نزاعا حادا بين الولايات المتحدة الأمريكية وكل من اليابان والمجموعة الأوربية بسبب ممارسة التجارة بموجب الاتفاقيات الدولية التي شرعت للعولمة بإشراف الولايات المتحدة وزعامتها. وإذا كان الأمر قد وقف عند حد اتخاذ الإجراءات الحمائية أو التهديد بها فلأنه يتعلق بالأقوياء السبعة الكبار الذي يشكلون قوام ما يسمى ب-"المجتمع الدولي" الذي هو، في الحقيقة والواقع، "مجتمع" الفاعلين للعولمة المستفيد منها. أما عندما يتعلق الأمر بغير هؤلاء فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتردد في استعمال الأسلحة المتطورة من صورايخ ومقنبلات وغيرها ل-"ردع" الضعفاء الطموحين إلى شيء من "الكبر"، أو الذين قد يمارسون حقهم في حماية ثرواتهم القومية.
ليس صحيحا إذن أن العولمة تقوم على كون "الرأسمال لا وطن له". ذلك أن الرأسمال له في جميع الأحوال "وطن". قد لا يكون وطنا من أرض وجبال وحدود، ولكنه في جميع الأحوال محدود بحدود "المصالح القومية" حتى ولو كان الأمر يتعلق ب-"الشركات متعددة الجنسية". ذلك لأن هذه الشركات إذا كانت تنتشر في العالم على صعيد التسويق والإنتاج فهي تحتفظ ب-"الوطن" الأصل كمركز للقرار، وبالتالي كمرجعية قومية. ومن هنا يمكن القول ليست هناك مصالح جماعية خارج المصالح القومية، تعددت جنسية الشركات أم لم تتعدد. والمصالح القومية للدول الكبرى تتسع اليوم، بفضل سرعة الاتصال وسهولته، لتعم كوكبنا الأرضي من أقصاه إلى أقصاه. قد لا تكون "المصالح القومية" اليوم قومية بالمعنى القديم للكلمة، ولكنها في جميع الأحوال مصالح فئات معينة تستعمل الاقتصاد ووسائل الإعلام للضغط على أصحاب القرار، بعد أن تكون قد لعبت دورا رئيسا في حملهم، حين الحملات الانتخابية، إلى مراكز القرار، أعني المراكز التي تصنع القرار وتنفذه باسم "الأمة" و"المصالح القومية".
لنترك الولايات المتحدة ولننتقل إلى بريطانيا. هنا سنجد أنفسنا إزاء موقف من العولمة تحكمه المصالح القومية إلى درجة التناقض. فمن جهة يرفض معظم البريطانيين التنازل عن عملتهم الوطنية والانضمام إلى منطقة اليورو. وقد استمعت مؤخرا لريبورتاج أذاعته البيبيسي استجوبت فيه عددا من الأفراد البريطانيين نساء ورجالا حول احتمال انضمام بريطانيا لمنطقة اليورو، فكانت جميع الأجوبة ضد هذا الانضمام. والحجة المتكررة هي أن العملة رمز وطني وأن الوحدة الأوربية يجب أن لا تطال الرموز الوطنية لبريطانيا. وفي استطلاع للرأي العام أجري هناك في الآونة الأخيرة عبر أزيد من خمسين في المائة عن معارضتهم للتخلي عن العملة البريطانية والانضمام إلى اليورو.
هذا من جهة, ومن جهة أخرى يمكن للمرء أن يلاحظ تحالف الإنجليز مع أوربا ضد أمريكا عندما تتخذ هذه الأخيرة إجراءات حمائية في الميدان التجاري، أو عندما تتناقض السياسة الأمريكية مع المصالح "القومية" البريطانية التي تشمل –عند الحاجة- مصالح الكومونويلث, مع أن الإنجليز هم مع الأمريكان في السياسة الخارجية. وعلى العموم يمكن القول إن ما يطبع العلاقات بين أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال هو التحالف ضد الآخرين في إطار التناقض بين المصالح القومية لكل منهما.
للحديث صلة