اجتماعي ـ موقع الدكتور مولود زايد الطبيب

الخميس, 12 14th

آخر تعديل في الموقع الإثنين, 30 تشرين1 2017 3pm

الفكر الاجتماعي عند الفارابي

مقدمة عن حياته وأهم أعماله

هو أبونصر محمد الفارابي الملقب بالمعلم الثاني ، أي المعلم الذي يأتي بعد المعلم الأول وهو أرسطو ، وقد سمي من قبل الآخرين بمعلم العرب والمسلمين ، ولد سنة 870 م في مدينة فاراب التي تعلم فيها اللغة التركية والعربية والفارسية وهي مدينة في بلاد ما وراء النهر وهي جزء مما يعرف اليوم بكازاخستان ، وبعد تعلمه لهذه اللغات تخصص في عدة حقول دراسية هي الفلسفة والسياسة والأدب والاجتماع والقانون والشريعة والدين ، وتنقل بين بلاد العرب وبلاد فارس وآسيا الصغرى ، وامتهن التعليم والكتابة والتأليف ، كما شغل بعض المناصب السياسية التي جعلته يشتهر في عالم الإدارة والحكم ، ومثل هذه الشهرة سببت إثارة النقاد والخصوم عليه الذين أثاروا الشغب والوشاية ضده ، الأمر الذي دفعه إلى ترك عالم الإدارة والسياسة والتوجه إلى الدراسة والبحث والكتابة ، تلك الحقول التي أبدع فيها الفارابي ولمع نجمه بين مفكري وعلماء عصره ، وتوفى الفارابي سنة 950 م بعدما اشتهر صيته في الفلسفة والسياسة والاجتماع والأدب .

 

من أهم مؤلفات الفارابي وأعماله العلمية كتاب " السياسات المدنية " وكتاب " أهل المدينة الفاضلة " ، ويتكون كتاب السياسات المدنية من قسمين أساسيين :

الأول فلسفي يتناول مراتب الموجودات الروحية والمادية ، والثاني يناول قضايا المجتمع السياسية والاجتماعية ، أما كتاب أهل المدينة الفاضلة فينقسم هو الآخر إلى قسمين أساسيين : الأول يدرس الأساس الفلسفي والمثالي والديني للمدينة الفاضلة أو المجتمع المثالي الذي حدد الفارابي صفاته الأساسية وطبيعته وكيفية الوصول إليه . أما القسم الثاني من الكتاب فيتناول موضوع الحاجة إلى الاجتماع البشري ، تلك الحاجة التي تتجسد في القوام المادي والكمال المعنوي ، ولا شك أنه رجع في هذا الصدد إلى أرسطو ينشد حكمته وينقل عنه قضيته الأساسية وهي أن الإنسان مدني بالطبع ، كما تأثر عند تأليفه لهذا الكتاب بأفكار أفلاطون المثالية التي تدعو إلى ضرورة تكوين مجتمع مثالي يتجسد في جمهوريته " جمهورية أفلاطون "، أما أهم المسائل التي يعالجها كتاب " أهل المدينة الفاضلة " فهي تحليل حقيقة الاجتماع البشري ، أي أصل نشوء المجتمع والدولة عند الفارابي ، وتصنيف المجتمعات البشرية وأسس ومقومات المدينة الفاضلة وصفات قائدها . إن دراسة لفكر الاجتماعي عند الفارابي تتطرق إلى خمسة موضوعات أساسية هي : حقيقة الاجتماع البشري ، ومنهج البحث عند الفارابي ، وخصائص المدينة الفاضلة ، وصفات القيادة عند الفارابي ، وأخيراً تصنيف المجتمعات البشرية عنده . حقيقة الاجتماع البشري عند الفارابي يتحدث الفارابي في القسم الثاني من كتاب " أهل المدينة الفاضلة " ( القسم الاجتماعي ) عن بيان الحاجة إلى الاجتماع البشري، أي حاجة الإنسان إلى أخيه الإنسان في إشباع متطلباته الأساسية والاجتماعية والروحية ، علماً بأن إشباع هذه المتطلبات يعتمد على توافر القوام المادي والكمال المعنوي في المجتمع الإنساني الذي تحدث عنه الفارابي . ولا شك أنه رجع في هذا الصدد إلى القضية الأساسية لأرسطو وهي أن الإنسان مدني بالطبع ، وهو بفطرته محتاج من الناحيتين المادية والمعنوية إلى أشياء كثيرة ليس في وسعه أن يستقل بأدائها ولا يقوى على تحقيقها منفرداً حيث قال :" وكل واحد من الناس مفطور على أنه يحتاج في قوامه وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها وحده ، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه ، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال .. ولهذا كثرت أشخاص الناس فحصلوا في المعمورة من الأرض ، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية . ومعنى ذلك أنه من الضروري للإنسان أن يتعاون مع بني جنسه حتى تتحقق الغاية من الاجتماع الإنساني ، وهي تحقق كمال الإنسان بما هو إنسان ، ولعل الكمال الذي يقصده الفارابي هو السعادة ، وهي فكرة منقولة أيضاً عن أرسطو فلا يتم للفرد تحقيق السعادة في نفسه عن طريق التعاون المادي فحسب ، بل له أيضاً عن طريق التعاون الروحي أو الفكري ، على اعتبار أن السعادة أنما تتصل بأفضل القوى الإنسانية وأكملها وهي قوته العاقلة . وتضمن هذا القسم من الكتاب أيضاً بيان المجتمعات الكاملة وغير الكاملة ونسبة بعضها إلى بعض ، وهنا نجد في أول الأمر إشارة إلى موضوع الإرادة والاختيار في نشأة الاجتماع وبلوغ الكمال والسعادة فيه ، ومن هنا كانت بعض المجتمعات كاملة ( فاضلة ) لأن أهلها أرادوا الخير وتعاونوا عليه ، وبعضها غير فاضلة لأن أهلها أرادوا الشر وتعاونوا عليه ، ومعنى ذلك أن شرط الفضيلة بالنسبة للأشكال الاجتماعية لدى الفارابي مرهون بوجود التعاون بين أفراده وبين الفئات المتخصصة ( تقسيم العمل ) حتى تتحقق السعادة للجميع . ورغبة الإنسان في تحقيق السعادة لا يمكن أن يتم إلا إذا استطاع تكوين هيئة أو سلطة سياسية منظمة تتولى القيام بوظائف عديدة للأفراد ، ومثل هذه الوظائف ينبغي أن تجلب السعادة للمجتمع وتحقق أماني الأفراد ، وإذا ما انتشرت السعادة في المجتمع وكان انتشارها يعتمد على مبادئ العدالة والمساواة فإن المدينة الفاضلة التي كتب عنها الفارابي ستظهر للعيان ، وقد تكلم الفارابي بإسهاب عن المدينة الفاضلة وهي المدينة التي يتعاون أفرادها واحدهم مع الآخر لغرض نيل السعادة ، كما يجب على كل واحد منهم القيام بعمل معين والتخصص به . إذن ينطلق الفارابي في تفسيره لأصل نشوء وتطور المجتمع الإنساني من تعليل حقيقة الاجتماع البشري ، إذ يعتقد أن الإنسان حيوان اجتماعي بالطبيعة نظراً لسيطرة الغريزة الاجتماعية عليه سيطرة كاملة ، وأن اجتماعية الإنسان هي التي تدفعه إلى تكوين علاقات اجتماعية مع الغير وبالتالي ظهور أنماط مختلفة من التضامن كالتضامن الاقتصادي والتضامن السياسي والتضامن الديني والتضامن الثقافي والروحي والقيمي .. إلخ ، ففي حالة التضامن السياسي الذي يستلزم دخول الأفراد في علاقات تعاونية تهدف إلى تمشية أمور المجتمع والسيطرة عليه والعمل من أجل تحقيق غاياته وأهدافه تظهر الدولة لتؤدي الوظائف التي يحتاجها الأفراد والجماعات . وبخصوص حقيقة الاجتماع البشري يتكلم الفارابي عن طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة فيقول بأن الفرد هو الوحدة الأساسية لتكوين المجتمع ، ولولا وجوده لما ظهر المجتمع ولما استطاع أن يتطور وينمو ويتقدم في معالم الثقافة والحضارة ، والفرد يحتاج إلى المجتمع لأن الأخير هو الذي يمكن الفرد من تحديد طموحاته وأمانيه وأهدافه ، وأن المجتمع يزود الفرد بالمهارات والقابليات ويعلمه العادات والتقاليد والقيم ويلقنه اللغة التي يتكلم بها والدين الذي يؤمن به ويحميه عندما تداهمه المخاطر والتحديات ، ومن جهة أخرى يرى الفارابي بأن المجتمع يحتاج إلى أفراد يعتبرون بمثابة الوحدات العاملة التي تحقق أهدافه وتدافع عن مصالحه وتتخذ الإجراءات والمواقف التي من شأنها أن تطور المجتمع وتدفع حركته إلى الأمام . ويعتقد الفارابي نتيجة تأثره بمبادئ وتعاليم الإسلام بأن الفرد لا يمكن أن يأتي قبل الجماعة ، وأن الجماعة لا يمكن أن تأتي قبل الفرد ،ذلك أن الفرد ضروري للجماعة والجماعة ضرورية للفرد ، وأن هناك درجة عالية من التكامل بينهما ، فالفرد لا يمكن تفضيله على الجماعة باعتبار أن الأخيرة مصدر الأحكام والقوانين والمثل والحكمة ، والجماعة من ناحية أخرى لا يمكن تفضيلها على الفرد طالما أن الفرد هو حجر الزاوية لبناء الجماعة ، والجماعة كما يعتقد الفارابي هي حجر الزاوية لبناء المجتمع ، إضافة إلى كون الفرد الغاية والوسيلة من الوجود الاجتماعي والاجتماع البشري بما ينطوي عليه من عوامل مادية وروحية .

خصائص المدينة الفاضلة عند الفارابي :

المدينة الفاضلة في نظر الفارابي هي المدينة أو المجتمع الذي تتحقق فيه السعادة للأفراد على أكمل وجه ، وذلك كجمهورية أفلاطون تطغى عليها مبادئ العدالة والحق ويعيش فيها الأفراد على نحو من التكامل والوفاق ،علماً بأن السعادة التي ينالها الأفراد في المدينة الفاضلة لا يمكن أن تتحقق وتكون شاخصة إلا إذا تعاون الأفراد واحدهم مع الآخر ، واختص كل واحد منهم بالعمل الذي يحسنه وبالوظيفة المهيأ لها وفق طبيعته البيولوجية أو الوراثية ، والمدينة الفاضلة تشبه البدن الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تكامل الحياة وعلى حفظها وحمايتها واستمراريتها .

وأهم خصائص المدينة الفاضلة كما حددها الفارابي هي :

تعتمد المدينة الفاضلة على مبدأ التعاون بين أفرادها وفئاتها الاجتماعية مهما تكن تخصصاتها الوظيفية وأعمالها ، فالفارابي يقسم أهل المدينة الفاضلة إلى ثلاث مجموعات حسب الأعمال التي تمارسها هذه المجموعات ، فهناك مجموعة القادة والحكام ورجال الدين ، ومجموعة العسكريين والجنود والمدافعين عن المدينة ، وأخيراً مجموعة الصناع والفلاحين الذين ينتجون للمدينة ويوفرون لها ما تحتاجه من طعام وكساء ولوازم ومعدات وتقنيات تحتاجها في حياتها اليومية ، إذن التعاون في المدينة يعتمد على نظام تقسيم العمل والتخصص فيه ، والتعاون الذي يقوم بين البشر على أساس تقسيم العمل هو الذي يفسر أصل وطبيعة الاجتماع البشري . أن تقسيم العمل في المدينة الفاضلة التي وصفها وتكلم عنها الفارابي يعتمد على الحالة أو الطبيعة الوراثية للناس ، فالناس يقسمون حسب طبيعتهم الوراثية إلى ثلاث مجاميع أساسية هي مجموعة يسيطر العقل والحكمة والمنطق على نفسها البشرية ، ومجموعة تسيطر العاطفة والانفعال والحماسة على نفسها البشرية ، ومجموعة ثالثة تسيطر الغريزة والفطرة على نفسها البشرية ، فالمجموعة التي تسيطر عليها النوازع العقلانية تصلح أن تمارس مهنة القيادة والحكم والفلسفة والقضاء والدين ، والمجموعة التي تسيطر عليها النوازع العاطفية والانفعالية تصلح أن تمارس المهنة العسكرية التي تدافع عن المدينة الفاضلة ضد أعدائها في الخارج ، والمجموعة التي تسيطر عليها النوازع الغريزية والفطرية تصلح أن تمارس مهنة الإنتاج الزراعي الذي يوفر الغذاء للمدينة ، ومهنة الإنتاج الصناعي الذي يوفر الوسائل والمعدات والتقنيات التي تحتاجها المدينة في حياتها اليومية ، إضافة إلى مهنة التجارة المسئولة عن عمليات تبادل وبيع وشراء السلع والخدمات . تظهر العدالة في المدينة الفاضلة وتعم السعادة بين الناس عندما تؤدي كل مجموعة من المجاميع الوظيفية عملها المؤهلة على القيام به بموجب صفاتها التكوينية والوراثية ولا تتدخل في شؤون المجموعات الأخرى ، ويخبرنا الفارابي بأن الظلم يحل وينتشر في المدينة عندما تتدخل كل مجموعة وظيفية في شؤون المجموعات الوظيفية الأخرى. تتكون المدينة الفاضلة من ثلاث طبقات اجتماعية أساسية هي طبقة القادة والحكام ورجال الدين وطبقة العسكريين وطبقة الصناع والفلاحين وتقسيم أو تصنيف المدينة إلى هذه الطبقات يعتمد على الصفات الوراثية والتكوينية التي يتميز بها أفرادها ومنتسبيها . يشبه الفارابي المدينة الفاضلة بالكائن الحيواني الحي ، فالمدينة الفاضلة تتكون من نظم متكاملة ومتصلة الواحدة بالأخرى كالنظام السياسي والنظام الديني والنظام الاقتصادي والنظام الأسري ، وإن أي تغيير يطرأ على أحد هذه النظم لابد أن يؤثر على النظم الأخرى فيغيرها من نمط إلى نمط آخر . يعتقد الفارابي بأن المدينة الفاضلة تستند على المبادئ المثالية والجمعية ، ذلك أن القائد يجب أن يتفانى في خدمة المجموع ، وأن الفرد ينبغي أن يخدم الجماعة ويضحي من أجلها وأن يتنكر لمصلحته الذاتية في سبيل المصلحة الجماعية طالما أن مصلحة المجموع تعلو على مصلحة الفرد ، علماً بأن الفارابي لا ينكر أهمية الفرد في الجماعة ودوره في تنميتها وتحقيق غاياتها . يعتقد الفارابي بأن المدينة الفاضلة لا تكون ساكنة وغير قادرة على النمو والتحول ، بل تكون ديناميكية ومتحولة بمرور الزمن ، فالمدينة الفاضلة كما يخبرنا الفارابي تتحول من مجتمع صغير إلى مجتمع متوسط الحجم ثم إلى مجتمع كبير . يعتقد الفارابي بأن من أهم وظائف المدينة وأكبرها خطراً هي وظيفة الرئاسة ، ذلك أن رئيس المدينة أو قائدها إنما هو منبع السلطة العليا ، وهو المثل الأعلى الذي تتحقق في شخصيته جميع معاني الكمال ، وهو مصدر حياة المدينة ودعامة نظامها ، ومنزلة الرئيس بالنسبة للأفراد كمنزلة القلب بالنسبة لسائر أعضاء الجسم . ترتكز المدينة الفاضلة على أسس دينية وفلسفية مستنبطة من تعاليم وممارسات الإسلام لاسيما ما يتعلق منها بالمبادئ والمثل والقيم التي يؤكد عليها الإسلام كما جاء في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة والشريعة الإسلامية . عتقد الفارابي بأن المجتمع الفاضل هو المجتمع الذي يقوده رئيساً متميزاً بصفات فطرية ومكتسبة نادرة ، وأن المجتمع لا يكون فاضلاً إلا إذا سار أعضاؤه على غرار رئيسهم بحيث أصبحوا صورة منه ، وأن الرئيس لا يعد مؤدياً لرسالته إلا إذا وصل بهم إلى هذا المستوى الرفيع ، وهنا يقول الفارابي بأن أجزاء المدينة الفاضلة ، أي أهلها وأفرادها ، ينبغي أن تحتذي بأفعالها مقصد رئيسها .

من كتاب " رواد الفكر الاجتماعي " للأستاذ الدكتور / إحسان محمد الحسن

أنت هنا: اجتماعي :: الرئيسية رواد الفكر الاجتماعي الفكر الاجتماعي عند الفارابي